سيد محمد طنطاوي

232

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِه الْحَياةِ الدُّنْيا أي من أموال في وجوه الخير المختلفة ، كمواساة البائسين ، ودفع حاجة المحتاجين . وا موصولة ، والعائد محذوف ، والتقدير ، مثل ما ينفقونه . ثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أي كمثل ريح فيها برد شديد قاتل للنبات . وقيل : الصر . الحر الشديد ، وقيل الصر : صوت لهيب النار التي تحرق الثمار . وذكر - سبحانه - الصر على أنه في الريح ، وأنها مشتملة عليه ، وهي له ظرف وهو مظروف ، للاشعار بأنها ريح لا تحمل عوامل النماء للزرع ، وإنما هي تحمل معها ما يهلكه . وقوله : صابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْه أي أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصي فدمرته وأهلكت ما فيه من ثمار وهم أحوج ما يكونون إلى هذا الزرع وتلك الثمار . والحرث هنا مصدر بمعنى المحروث ، وأصل كلمة حرث : فلح الأرض وإلقاء البذر فيها ، ثم أطلقت على ما هو نتيجة لذلك وهو الزرع . وفي التعبير بقوله : لَمُوا أَنْفُسَهُمْ تذكير للسامعين ، وبعث لهم على ترك الظلم ، حتى لا يصابوا بمثل ما أصيب به أولئك الذين ظلموا أنفسهم من عقوبات رادعة ، وأضرار فادحة . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ما ظَلَمَهُمُ اللَّه ولكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي أن اللَّه - تعالى - ما ظلمهم حين لم يقبل نفقاتهم ، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإيمان ، ومن كان كذلك فلن يقبل اللَّه منه شيئا لأن اللَّه تعالى ، إنما يتقبل من المتقين . والضمائر في هذه الجملة الكريمة تعود على أولئك الكافرين الذين ينفقون أموالهم مقرونة بالوجوه المانعة من قبولها . وفي هذه الآية الكريمة تشبيه بليغ ، فقد شبه - سبحانه - حال ما ينفقه الكفار في الدنيا - على سبيل القربة أو المفاخرة - شبه ذلك في ضياعه وذهابه وقت الحاجة إليه في الآخرة من غير أن يعود عليهم بفائدة ، بحال زرع لقوم ظالمين ، أصابته ريح مهلكة فاستأصلته ، ولم ينتفع أصحابه منه بشيء ، وهم أحوج ما يكونون إليه . قال صاحب الانتصاف : أصل الكلام - واللَّه أعلم - مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ، كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم ، فأصابته ريح فيها صر فأهلكته . ولكن خولف هذا النظم في المثل المذكور لفائدة جليلة . وهي تقديم ما هو أهم لأن الريح التي هي مثل العذاب ، ذكرها في سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث .